فخر الدين الرازي
265
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أقطاعا وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعا وأجزاء فكذا هاهنا قوله : نقضت غزلها أنكاثا أي جعلت غزلها أنكاثا الثالث : إن قوله : أَنْكاثاً حال مؤكدة . المسألة الخامسة : قال ابن قتيبة : هذه الآية متصلة بما قبلها ، والتقدير : وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلا وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثا . ثم قال تعالى : تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ قال الواحدي : الدخل والدغل الغش والخيانة . قال الزجاج : كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل ، وقال غيره : الدخل ما أدخل في الشيء على فساد . ثم قال : أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ أربى أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا زاد ، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف . قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك . وقوله : أَنْ تَكُونَ معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلا بينكم بسبب أن تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف . فقوله : تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أتتخذون أيمانكم دخلا بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى . ثم قال تعالى : إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي بما يأمركم وينهاكم ، وقد تقدم ذكر الأمر والنهي : وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب ، واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 93 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 ) اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه ، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الإيمان ، ولكنه سبحانه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء . أما المعتزلة : فإنهم حملوا ذلك على الإلجاء ، أي لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى الكفر لقدر عليه ، إلا أن ذلك يبطل التكليف ، فلا جرم ما ألجأهم إليه وفوض الأمر إلى اختيارهم في هذه التكاليف ، وأما قول أصحابنا فيه فهو ظاهر ، وهذه المناظرة قد تكررت مرارا كثيرة ، وروى الواحدي أن عزيزا قال : يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء ، فقال : يا عزير أعرض عن هذا ، فأعاده ثانيا . فقال : أعرض عن هذا ، فأعاده ثالثا ، فقال : أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة . قالت المعتزلة : ومما يدل على أن المراد من هذه المشيئة مشيئة الإلجاء ، أنه تعالى قال بعده : وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فلو كانت أعمال العباد بخلق اللّه تعالى لكان سؤالهم عنها عبثا ، والجواب عنه قد سبق مرارا ، واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 94 إلى 97 ] وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 95 ) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 )